السبت، 29 أغسطس 2026

قصص الغيب ٦ ( نهاية الدجال و خروج يأجوج ومأجوج)



 بدأت القصة  بإمامة إبراهيم عليه السلام (قال إني جاعلك للناس إمامًا)سورة البقرة ، ثم طلبها إبراهيم عليه السلام لذريته من بعده (قال و من ذريتي) سورة البقرة  لكن الله حصرها فقد للصالحين من ذرية إبراهيم عليه السلام ( قال لا ينال عهدي الظالمين ) سورة البقرة، هذه الإمامة التي مُنِحت لإبراهيم في الأرض المقدسة  هي بداية القصة ، إبراهيم عليه السلام  لديه  ولدين هم نبي الله إسماعيل عليه السلام الذي عاش مع أمه هاجر في مكة و قصته مشهورة مع قبيلة جُرهم.

 أما نبي الله إسحاق عليه السلام  ابن سارة فقد عاش في القدس  هذه الأرض المباركة التي بدأت فيها إمامة إبراهيم عليه السلام. 

عهد الله تعالى إلي إبراهيم مهمة دعوة الناس للتوحيد فهو إمام البشرية ويدعوهم إلى توحيد رب العباد و قد أورث الله هذه الإمامة من بعده إلى أحد ولديه و هو نبي الله إسحاق الذي بدوره أورثها إلى إبنه يعقوب الذي يسمى أيضًا (إسرائيل) لذلك ظلت الإمامة في بني إسرائيل (بني يعقوب عليه السلام)، فكانت الرسالة منوطة بهذه الأمة تحديدًا (بنو إسرائيل) كانت مهمتهم تقتضى دعوة الناس للتوحيد ومركز القيام بهذه المهمة (الأرض المقدسة) . 

فماذا فعل بنو إسرائيل خلال ٥٠٠ سنة من هذه المسئولية و تجاه هذه  الأمانة ؟ 

تأرجحوا بين الطاعة و العصيان، و بعث الله لهم الكثير من الأنبياء (لبني إسرائيل خاصة) من أجل تذكيرهم بهذه المهمة العظيمة التي لا تنبغي إلا للصالحين من ذرية إبراهيم عليه السلام، غير أنهم ظلموا أنفسهم و بلغت بهم الجرأة على الله مبلغًا عظيمًا من قتل الأنبياء و الجرأة على الله بالقول: (الله فقير ونحن أغنياء) ، ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) وقد حلت عليهم لعنة الله عندما خذلوا نبي الله موسى عليه السلام  بعد أن شق الله لهم البحر وأنجاهم من فرعون و جنوده قالوا لموسى عندما أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم قالوا له: ( إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ) وتعاقبت الأجيال وجاء الصالحون من بني إسرائيل فقاتلوا جالوت الذي هو من الكنعانيين (أول من سكن فلسطين) فقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وأورثه الأرض وحكمها من بعده سليمان عليه السلام لكن هذا العهد كان هو آخر عهد الصالحين الذي أورثهم الله الأرض المقدسة من بني إسرائيل ثم توالت الأجيال الظالمة لنفسها من بني إسرائيل و كلما أرسل الله لهم نبيًّا يذكرهم بالمهمة المقدسة -دعوة الناس لتوحيد الله- قتلوه ونكثوا العهد مع الله حتى وصل الحال إلى أنه لم يبق من بني إسرائيل على التوحيد إلا أربعة أشخاص فقط من أسرة واحدة وقد خلّد الله ذكرهم في سورة من السور الطوال في القرآن الكريم ومحور السورة الأساسي وموضوعها هو( الثبات على الدين) هذه الأسرة  هي (آل عمران) وهي مكونة من : عمران، وزوجة عمران ، وأختها (وهي زوجة نبي الله زكريا عليه السلام )، وابنته مريم بنت عمران، ثم وُلد عيسى ابن مريم عليه السلام في معجزة عظيمة لعلهم يرجعون إلى رشدهم ووُلد لزكريا نبي الله يحيى عليه السلام فماذا فعلوا؟ قتلوا كل الأنبياء كما يقولون هم في كتبهم، ورفع الله تعالى عيسى عليه السلام إليه، رفعه للسماء ونجّاه الله منهم وبقيت لديه مهمة مؤجلة إلى نهاية الزمان ، وعيسى عليه السلام آخر الأنبياء إلى بني إسرائيل . 

بعد ذلك انتقلت الخيرية من هذه الأمة الملعونة التي قتلت الأنبياء إلى أمة أخرى، انتقلت المهمة من ذرية إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام إلى ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ، انتقلت إلى أمة نبي الله محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وجاء النبي الخاتم من ولد اسماعيل ولكن رسالته موجهه إلى الناس كافة وليست إلى أمته فقط،  المهمة ذاتها (دعوة الناس لتوحيد الله) لكن المركز تغير من القدس إلى مكة . 

ولم يكن الأمر صدفة أن القبلة في بداية الدعوة كانت تجاه بيت المقدس، ولم يكن الأمر صدفة أن تكون رحلة الإسراء إلى بيت المقدس وأن يصلي نبينا محمد صلى الله عليه و سلم إمامًا بكل الأنبياء في الأرض المقدسة لتثبيت أمر في غاية الأهمية ولأهميته ذكره الله في الزبور ثم في القرآن ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) سورة المجادلة، والزبور هو كتاب داوود عليه السلام الذي أورثه الله الأرض المقدسة بعد هزيمة جالوت. 

فنبينا محمد صلى الله عليه و سلم هو امتداد العباد الصالحين الذين أورثهم الله الأرض المقدسة وكذلك من صلح من أمته من بعده، وقد فهم الصحابة الكرام هذه الحقيقة لذلك عندما فتح عمر بن الخطاب القدس صلى ركعتين فقرأ في الأولى سورة الإسراء (لأن الله جعل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إمامًا بالأنبياء في الصلاة  هذه الأرض في رحلة الإسراء) ثم قرأ في الركعة الثانية سورة ص وهي السورة التي فيها ذكر داوود عليه السلام، آخرِ الصالحين الذين أورثهم الله الأرض المقدسة من بني إسرائيل قبل أن تتحول الخيرية منهم إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم لماذا؟ ليمارسوا مهمتهم في دعوة الناس (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم منهم المؤمنون و أكثرهم الفاسقون) {آل عمران ١١٠}

إن العطاء الإلهي للأرض ليس له علاقة بالعرق أو بمن سكنها أولا، بل له علاقة بالصلاح و حمل رسالة الله و هي دعوة الناس للتوحيد  (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) {الأنبياء ١٠٥}

عيسى عليه السلام هو آخر أنبياء الله لبني إسرائيل، والدجال الذي سيخرج آخر الزمن بهدف القضاء على الإسلام وإقامة دولة اليهود العظمى   والصد عن توحيد الله بإعلان نفسه ربًّا من دون الله (والعياذ بالله)  من المنطقي جدًّا أن يُقتل على يد عيسى عليه السلام لأننا نعلم أن لله سنن كونية وأن من القوانين الإلهية ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) {المجادلة ٢١} 

فلا يصح أن ينتصر اليهود على رسل الله بموجب هذا القانون القرآني،  أمة اليهود التي لعنها الله والتي ستبلغ ذروة جبروتها وطغيانها بفتنة المسيح الدجال والجيوش اليهودية التي تحيط به ستنتهي على يد آخر الأنبياء المرسلين لبني إسرائيل وهو المسيح عيسى بن مريم لأن الله ورسله هم الغالبون قطعًا . 

ثم بعد القضاء على هذه الفتنة العظيمة المسيح الدجال وعلى اليهود الذين سعوا لقتل عيسى عليه السلام منذ بداية بعثته إليهم، سيقضي عيسى بن مريم على جميع الأديان الباطلة، سيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويحكم بالقرآن الكريم والسنة المطهرة ولا يحكم بالتوراة ولا بالإنجيل لأن الله نسخها بالشريعة الإسلامية المنزلة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا هو السبب الذي يجعله يرفض أن يتقدم للإمامة عندما ينزل من السماء وقت صلاة الفجر . 

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم) البخاري ٣٤٤٩ و مسلم ١٥٥ 

بعد القضاء على الدجال وجيوشه عند باب لد بالقرب من المدينة المقدسة التي بدأت فيها قصة الإمامة وانتهت فيها دولة اليهود الملعونة يوحي الله تعالى إلى عيسى عليه السلام(إني قد أخرجت عبادًا لي، لا يدان لأحدٍ بقتالهم فحرّز عبادي إلى الطور) أي لا قدرة ولا طاقة لأحد بمواجهتهم ويأمره الله أن يتحصن هو والمؤمنون الذين معه في جبل من الجبال. 

يكون يأجوج ومأجوج (وهم قبيلتين كبيرتين) يكونون في كثرتهم كالجراد المنتشر لا يمرون من ناحية إلا أفنوا ما فيها من طعام وماء فيقول آخرهم عندما يمر ببحيرة طبرية ( كان هنا ماء ) حتى يصلوا إلى جبل ببيت المقدس فيقولون : (قد قتلنا أهل الأرض هلمّ فلنقتل من في السماء) فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرد الله عليهم سهامهم مخضوبة دمًا، فيعتقدون أنهم قتلوا من في السماء (والعياذ بالله) ثم يطول الأمر ويصبح عيسى عليه السلام و من معه في وضع صعب جدًّا و شح في الطعام يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرٌ من مائة دينارٍ لأحدكم اليوم ) 

و هنا يلجأ عيسى عليه السلام والمؤمنون الى الله يبتهلون له ويدعونه حتى يكشف عنهم هذا البلاء ولله سبحانه حكمة بالغة فيرسل عليهم دودًا سامًّا قاتلًا يصيبهم في رقابهم فيصبحون جميعًا قتلى كمقتل رجل واحد لا ينجو منهم أحد، فلايوجد شبرٌ من الأرض إلى ملأه قذرهم ونتنهم وجثثهم، فيدعو عيسى ربه مرة أخري لينقذهم من هذه الحال فيرسل الله طيرًا كأنها أعناق الجمال المسماة (البخت) فتحمل الطيور تلك الجثث التي ملأت الأرض وتلقي بها حيث يشاء الله. 

ثم يرسل الله مطرًا يصيب الأرض كلها يخترق كل البيوت فيغسل كل النتن و كل الفساد في الأرض الذي أحدثه بنو آدم عبر التاريخ كله، وتصبح الأرض كالمرآة في صفائها ونقائها فتعود للأرض خصوبتها أكثر من السابق حتى إن خير الأرض وثمرها وبركتها يصبح أكثر مما هو معهود في كل الأزمنة السابقة ثم يموت عيسى بن مريم عليه السلام كما مات الأنبياء و الرسل من قبله بعد أن يبقى أربعون عامًا في الأرض .

 و قد ورد كل هذا في حديث النواس بن سمعان و هو حديث طويل ذكرت الجزء الأول منه في المقال السابق ( قصص الغيب ٥) و تكملة الحديث : 

(… فبينَما هم كذلِكَ إذ أوحى اللَّهُ إليهِ: يا عيسى إنِّي قد أخرَجتُ عبادًا لي، لا يَدانِ لأحَدٍ بقتالِهِم، وأحرِزْ عبادي إلى الطُّورِ، ويبعَثُ اللَّهُ يأجوجَ، ومَأجوجَ، وَهُم كما قالَ اللَّهُ: مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فيمرُّ أوائلُهُم على بُحَيْرةِ الطَّبريَّةِ،
فيَشربونَ ما فيها، ثمَّ يمرُّ آخرُهُم فيَقولونَ: لقد كانَ في هذا ماءٌ مرَّةً، ويحضر نبيُّ اللَّهِ وأصحابُهُ حتَّى يَكونَ رأسُ الثَّورِ لأحدِهِم خيرًا مِن مائةِ دينارٍ لأحدِكُمُ اليومَ، فيرغَبُ نبيُّ اللَّهِ عيسى وأصحابُهُ إلى اللَّهِ، فيُرسِلُ اللَّهُ عليهمُ النَّغفَ في رقابِهِم، فيُصبحونَ فَرسَى كمَوتِ نَفسٍ واحِدةٍ، ويَهْبطُ نبيُّ اللَّهِ عيسى وأصحابُهُ فلا يجِدونَ موضعَ شبرٍ إلَّا قد ملأَهُ زَهَمُهُم، ونَتنُهُم، ودماؤُهُم، فيرغَبونَ إلى اللَّهِ، فيرسلُ عليهم طيرًا كأعناقِ البُختِ، فتحمِلُهُم فتطرحُهُم حيثُ شاءَ اللَّهُ، ثمَّ يرسِلُ اللَّهُ علَيهِم مطرًا لا يُكِنُّ منهُ بيتُ مَدَرٍ ولا وبَرٍ، فيغسِلُهُ حتَّى يترُكَهُ كالزَّلقةِ، ثمَّ يقالُ للأرضِ: أنبِتي ثمرتَكِ، وردِّي برَكَتَكِ، فيومئذٍ تأكلُ العصابةُ منَ الرِّمَّانةِ، فتُشبعُهُم، ويستظلُّونَ بقِحفِها، ويبارِكُ اللَّهُ في الرِّسْلِ حتَّى إنَّ اللِّقحةَ منَ الإبلِ تَكْفي الفِئامَ منَ النَّاسِ، واللِّقحةَ منَ البقرِ تَكْفي القبيلةَ، واللِّقحةَ منَ الغنمِ تَكْفي الفخِذَ، فبينما هم كذلِكَ، إذ بعثَ اللَّهُ عليهم ريحًا طيِّبةً، فتأخذُ تَحتَ آباطِهِم، فتقبِضُ روحَ كلَّ مسلمٍ، ويبقى سائرُ النَّاسِ يتَهارجونَ، كما تتَهارجُ الحُمُرُ، فعلَيهِم تقومُ السَّاعةُ) رواه مسلم في صحيحه عن النواس بن سمعان ٢٩٣٧

و بهذا نختم سلسلة مقالات ( قصص الغيب ) و التي اعتمدت فيها بشكل أساسي على كتاب الأستاذ الدكتور عمر سليمان الأشقر و حلقات بودكاست للدكتور عبدالله معروف ، و أسأل الله أن يكون فيها النفع و الفائدة و دمتم في رعاية الرحمن . 

ليست هناك تعليقات: