هكذا تبدأ الملحمة الكبرى: يتحالف المسلمون و الروم لقتال عدو مشترك، يخوضون المعركة جنبًا إلى جنب و ينتصرون معًا في تحالف آمن .. لكن حين تهدأ الحرب، ينسب الروم النصر إلى الصليب وحده، متجاهلين أن المسلمين قاتلوا بجانبهم و شاركوهم هذا النصر، فيغضب رجلٌ من المسلمين لهذا الظلم و هذه الوقاحة و يكسر الصليب، فيثور النصارى ويقتلونه غدرًا و عصبة معه من المسلمين .. و من تلك الغدرة بالذات، يبدأ العدّ التنازلي لأعظم و أفظع حرب ستشهدها البشرية، حرب أشرس من كل الحروب التي عرفها التاريخ ، حربٌ سمّاها نبينا محمد صلى الله عليه و سلم ( الملحمة ) فهي ليست معركة فقط بل ملحمة .
في هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم خبر المعركة العظيمة التي ستقع في آخر الزمان قُبيل خروج الدجال وأغلب من سيشهد هذه المعركة فإنه سيشهد كذلك خروج الدجال كون الحَدَثين متقاربين زمنيًّا، و مثل كل مره أذكر لكم الأحاديث ثم نروي قصة هذه المعركة العظيمة التي سمّاها نبينا محمد صلى الله عليه و سلم (الملحمة) لكثرة القتلى في الطرفين.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعْماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيشٌ من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذٍ، فإذا تصافّوا قالت الروم: خلوا بيننا و بين الذين سُبُوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون : لا، والله لا نخلي بينكم و بين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثُلُثٌ لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويُقتل ثُلُثهم أفْضَلُ الشهداء عند الله، ويفْتَتِحُ الثُلُث، لا يُفتنون أبدًا فَيفتتحون القسطنطينية. فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد عَلَّقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خَلَفَكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشَّأْم خرج.
فبينما هم يُعدّون للقتال، يُسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم عليه السلام فأَمّهُم، فإذا رآه عدو الله، ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تَرَكه لانْذابَ حتى يهْلِك، ولكن يَقْتُلُه الله بيدِهِ، فيُريهم دَمَهُ في حَرْبَتِه) رواه مسلم (٢٨٩٧)
وعن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام) رواه أبوداوود ( ٤٢٩٨)
و في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : (ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، فتغزون أنتم و هم عدوًّا من ورائكم، فتنصرون و تغنمون، و تسلمون ، ثم ترجعون ، حتى تنزلوا بمرج ذي تلول، فيرفع رجلٌ من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غلب الصليب، فيغضب رجلٌ من المسلمين، فيدقه ، فعند ذلك تغدر الروم و تجمع للملحمة) و زاد في رواية :(ويثور المسلمون إلى أسلحتهم ، فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة) رواهما أبو داود ( ٤٢٩٢) و ( ٤٢٩٣)
يخبرنا النبي عليه الصلاة و السلام أنه قبل الملحمة التي ستقع بين المسلمين و الروم كان الطرفان في هدنة و صلح آمن و أثناء هذه الهدنة التي بين المسلمين و الروم يقاتل الطرفان معًا عدوًّا مشتركًا ثم يهزمونه، و بعد انتصارهم عليه يقع حادث غادر ، يبدأ عندما يرفع رجل من الروم الصليب بعد الانتصار على العدو المشترك و يقول : غَلَب الصليب !
ينسب النصر الذي شارك فيه المسلمون و النصارى إلى الصليب ، فيغضب رجلٌ من المسلمين فيدق الصليب.
هنا يثور النصارى فيقتلون الرجل الذي دق الصليب و عصبة معه من المسلمين و هذا الحادث هو السبب الذي يبدأ بعده الطرفان يُعدون صفوفهم للمعركة الفاصلة ، أعظم معركة في التاريخ ( الملحمة ) حيث يأتي النصاري بجيش ضخم قوامه 960 ألف مقاتل ( مليون تقريبًا ) .
ففي حديث عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : (اعدد بين يدي الساعة ستًّا ) و السادسة مما عده رسول الله صلى الله عليه وسلم (هدنة تكون بينكم و بين بني الأصفر ، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا) رواه البخاري (٣١٧٦)
و معنى الغاية في هذا الحديث : الراية .
فلعها تكون ٨٠ دولة تحت كل دولة اثنا عشر ألف جندي و الله أعلم . ثم إن معسكر الروم في هذا المعركة في منطقة يقال لها ( الأعماق) أو منطقة يقال لها ( دابق) وهي أسماء مناطق بجوار حلب ( المنطقة المعروفة في سوريا) .
أما معسكر المسلمين فيكون في منطقة بجوار دمشق تسمى الغوطة ، قبل أن تبدأ المعركة يطلب النصارى من المسلمين أن يخلوا بينهم و بين الذي سُبوا منهم يقاتلونهم ، ( من هم الذي سُبُوا منهم؟ ) وهذا لا يستطيع أحد الجزم به لكن الظاهر و الله أعلم كما يقول الدكتور عمر الأشقر أنهم عدد من النصارى الذين سباهم المسلمون في حروب سابقة ثم دخلوا في الإسلام ولما تشربت قلوبهم الايمان شاركوا في الجهاد و جاءوا للقتال مع المسلمين ، وهذا الأسلوب معروف ( فرّق تسد ) يريدون أن يستفردوا بجزء من الجيش بحجة أنهم كانوا منهم ، لكن المسلمين واعين لهذه الخدعة و يرفضون أن يخلوا بين النصارى و بين إخوانهم المسلمين .
يدخل الجيشان في معركة حامية الوطيس فيحدث أمر عجيب كثيرًا ما أثار دهشتي و أنا أقرأه .
ينهزم ثُلث الجيش .. و الثلث كثير !
يخذلون إخوانهم المسلمين و ينهزمون لصالح العدو و قد أخبر عنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن الله لا يتوب على هذه المجموعة أبدًا ادعوا الله أن يجيرنا، و يجير أبناءنا من أن يكونوا من هذا الثُلث، يتحتم علينا أن نقف و نفكر هل أعددنا أبناءنا لمثل هذا اليوم؟!
ثم يُقتل ثلث الجيش ، و الثلث كثير و لذلك تسمى (ملحمة) غير أننا نؤمن أن حياتنا لا تنتهي بالموت فالجنة مسكننا الأبدي الذي نتمناه و هؤلاء الذين استشهدوا في الملحمة هم أفضل الشهداء عند الله .. فأي شرف و أي عزة و أي مفخرة .
ثم إن الله يفتح على الثلث المتبقي من الجيش و يبشرهم النبي عليه الصلاة و السلام أنهم لن يفتنون أبدًا من بعد الملحمة !
فلك أن تتخيل شعور المقاتل منهم و هو يدخل إلى القسطنطينية يفتتحها بعد نهاية الملحمة و قد امتلك شهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لن يُفتن أبدًا بعد هذا اليوم!
و هذا يثبت ان هناك فتحين للقسطنطينية ، الأول كان على يد محمد الفاتح و سميت يومها اسطنبول و الثاني سيكون بعد الملحمة عند انتصار المسلمين .
أي أن القسطنطينية ( اسطنبول) ستكون في ذلك اليوم معقل للنصارى الذين غدروا، فالمسلمون سيلحقون بهم بعد الملحمة إلى معقلهم ، ثم يفتتحونه و عندها يسمعون من يصيح ( وهو الشيطان) : إن المسيح قد خَلَفكم في أهليكم .
فيخافون على أهلهم بالتأكيد لأن فتنة المسيح الدجال هي أشد فتنة في التاريخ الإنساني كله و لهذا حذّر منه جميع الأنبياء من نوح عليه السلام ، فيرجعون بعد هذا الخبر الكاذب إلى الشام و يتضح أنها كانت كذبه ، و لكن بمجرد عودتهم يخرج الدجال الذي سنفصل في شأنه في الأسبوع القادم ، فانتظروا خبر أعظم فتنة في تاريخ الإنسانية ( الدجال) في المقال قبل الأخير من سلسلة (قصص الغيب) ، و دمتم في رعاية الله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق